ابن قيم الجوزية
319
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
مبسوط في جهة العلو ، لا في نفس الفلك . وهذا معلوم بالحس ، فلا يلتفت إلى غيره . فلما انتظم هذا بذكر الاحتجاج عليهم لم يصلح فيه إلا إفراد السماء ، لأنهم لا يقرون بما ينزل من فوق ذلك من الأرزاق العظيمة للقلوب والأرواح . فلا بد من الوحي الذي به الحياة الحقيقية الأبدية . وهو أولى باسم الرزق من المطر الذي به الحياة الفانية المنقضية . فما ينزل من فوق ذلك من الوحي والرحمة والألطاف والمواد الربانية ، والتنزلات الإلهية ، وما به قوام العالم العلوي والسفلي من أعظم أنواع الرزق . ولكن القوم لم يكونوا مقرين به ، فخوطبوا بما هو أقرب الأشياء إليهم ، بحيث لا يمكنهم إنكاره . أما الآية التي في سبأ : فلم تنتظم ذكر إقرارهم بما ينزل من السماوات . ولهذا أمر رسوله بأن يتولى الجواب فيها ، ولم يذكر عنهم أنهم المجيبون المقرون . فقال قُلْ : مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ قُلِ اللَّهُ ولم يقل : سيقولون اللّه . فأمر تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجيب بأن ذلك هو اللّه وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السماوات السبع . وأما الأرض فلم يدع السياق إلى جمعها في واحدة من الاثنين إذ يقر به كل أحد مؤمن وكافر ، وبر وفاجر . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 58 ] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم : ورحمته القرآن ، فجعلوا رحمته أخص من فضله . فإن فضله الخاص على أهل الإسلام ، ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعض . فجعلهم مسلمين بفضله ، وأنزل إليهم كتابه برحمته . قال تعالى : 28 : 86 وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وقال أبو سعيد الخدري « فضل اللّه القرآن ، ورحمته أن جعلنا من أهله » . قلت : يريد بذلك أن هاهنا أمرين :